عبد الكريم الخطيب
51
التفسير القرآنى للقرآن
ففي آدم - بما أودع اللّه فيه من قوى - قدرة على الترقي والاستزادة من المعارف ، بتوجيه ملكاته إلى النظر في هذا الوجود ، وملاحظة الأسباب والمسببات ، وربط العلل بالمعلولات ، وبهذا يتنقل الإنسان من طور الطفولة إلى الصّبا والشباب والاكتهال والشيخوخة ، وفي كل طور يحمل معارف جديدة إلى الطور الذي يليه ، تعينه على اكتساب معارف أخرى ، ينتقل بها إلى طور آخر ، وهكذا . . ثم هذا التطور الخلّاق الذي يقع في حياة الإنسان الواحد ، يقع في الجنس البشرى كله ، حيث يتلقى كل جيل من الجيل الذي قبله جميع معارفه ، وتجاربه ، ويضيف إليها معارف جديدة وتجارب جديدة ، يتركها ميراثا للجيل الذي بعده . . وهكذا . أما الملائكة . . فهم على حال واحدة ، لا يطرأ عليها تحول ولا تبدل . . فليس لهم طفولة وصبا وشباب وشيخوخة ، كما أنه ليس لهم مع الزمن زيادة في علم أو معرفة عن طريق الكسب الذاتي ، وإنما يجئ علمهم ومعرفتهم بما يتلقونه من اللّه تلقيا مباشرا : « لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا » . . وبهذا اختلف الناس ، فكان كلّ إنسان عالما وحده ، له وجوده الذاتي ، وله تفكيره ، وإرادته ، ومنزعه . . فكان فيهم المؤمن والكافر ، والمهتدى والضال ، والعالم والجاهل . . أما الملائكة فهم نمط واحد ، من الصفاء ، والبهاء ، والطاعة المطلقة ، المستسلمة ، التي لا تنزع عن إرادة ، ولا ترجع إلى نظر وتقدير . « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » ! . وعلى هذا ، فالملائكة - وإن شرفوا قدرا ، وعلوا منزلة - ليسوا أهلا للخلافة على هذا الكوكب الأرضي . . لأن منصب الخليفة يقتضى استقلالا في تصريف الشؤون فيما هو خليفة فيه ، ومتسلط عليه ، كما يقتضى